القاضي عبد الجبار الهمذاني
255
المغني في أبواب التوحيد والعدل
ألا ترى أن الواحد منا يجد طعم ما يأكله من الخبز وما يشربه من الماء ، ولا يفصل في ذلك كفصله بين الحلو والمر لبعض ما ذكرناه من الوجوه ، ولا يمنع ذلك من ثبوت طعم فيهما مدرك ؟ وكذلك القول فيما فيه طعوم ممتزجة : أنه يدركه ، ولا يفصل كفصله بين ما ينفرد بطعم معلوم ؛ وإذا صح ذلك وعلم أنه لا شيء أوضح من حال المدركات فيما تعلم عليه ؛ فيجب أن لا يصح بالمقايسة نفيها ، بل يجب القضاء بإثباتها وبأنها معلومة على ما هي به على الجملة وإن لم تمكن العبارة عن ذلك ، أو لم يحصل فيه من الفصل مثل ما لم يحصل فيما له صفة . وقد وجدنا الألم الحال في بعضنا كما نجد الحرارة الحالة في بعضنا ، وعلمنا أنا ندركه كما ندركها ، لكن الحرارة من حيث ثبت لها ضد ، حصل فيها من الفصل أكثر مما يحصل في الألم . ولا يمنع ذلك من كون الألم مدركا على ما هو به ؛ ولسنا نثبته أجناسا ؛ بل هو جنس واحد ، لأن بعضه يلتبس ببعض إذا كانت « 1 » حال المدرك واحدة . ولو كان مختلفا لم يلتبس بعضه ببعض والحالة هذه ؛ فصارت هذه الدلالة في أنها تقتضى كونه جنسا واحدا بمنزلة الدلالة على أن الحرارة جنس واحد . لكن الحرارة اسم يبين جنسه من غيره ، وليس للألم اسم يفيد ذلك فيه لأنه يسمى مرة ألما إذا حصل المدرك به نافر الطبع ، ومرة لذة إذا أدركه مع الشهوة « 2 » ؛ وإنما يخص باسم يبين به من غيره لأن أقوى الطريقة في معرفة حاله / هو ما يجده الإنسان من كونه آلما به وملتذا ، وصار ذلك في أنه يوجب التفرقة عند المدرك بمنزلة التفرقة
--> ( 1 ) في الأصل كان . ( 2 ) ظاهر من هذا أنه يعتبر اللذة والألم جنسا واحدا ، يسمى ألما إذا صحبه نفور الطبع ، ولذة إذا صحبته الشهوة .